ابن كثير

288

البداية والنهاية

قتله ؟ قال : نعم ! وآوى قتلته ، فانصرفوا إلى علي فذكروا له ما قال فقال : كذب ! لم أقتله وأنتم تعلمون أني لم أقتله . فرجعوا إلى معاوية فقال : إن لم يكن قتله بيده فقد أمر رجالا . فرجعوا إلى علي فقال : والله لا قتلت ولا أمرت ولا ماليت . فرجعوا فقال معاوية : فإن كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان ، فإنهم في عسكره وجنده فرجعوا فقال علي : تأول القوم عليه القرآن في فتنة ووقعت الفرقة لأجلها وقتلوه في سلطانه وليس لي عليهم سبيل . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال : إن كان الامر على ما يقول فماله أنفذ الامر دوننا من غير مشورة منا ولا ممن هاهنا ؟ فرجعوا إلى علي فقال علي : إنما الناس مع المهاجرين والأنصار ، فهم شهود الناس على ولايتهم وأمر دينهم ، ورضوا وبايعوني ، ولست أستحل أن ادع مثل معاوية يحكم على الأمة ويشق عصاها ، فرجعوا إلى معاوية فقال : ما بال من ها هنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الامر ؟ فرجعوا فقال علي : إنما هذا للبدريين دون غيرهم ، وليس على وجه الأرض بدري إلا وهو معي ، وقد بايعني وقد رضي ، فلا يغرنكم من دينكم وأنفسكم ، قال : فأقاموا يتراسلون في ذلك شهر ربيع الآخر وجماديين ويقرعون في غبون ذلك القرعة بعد القرعة ويزحف بعضهم على بعض ، ويحجز بينهم القراء ، فلا يكون قتال قال : فقرعوا في ثلاثة أشهر خمسة وثمانين قرعة . قال : وخرج أبو الدرداء وأبو أمامة ( 1 ) فدخلا على معاوية فقالا له : يا معاوية على ما تقاتل هذا الرجل ؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاما ، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بهذا الامر منك . فقال : أقاتله على دم عثمان وإنه آوى قتلته ، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام ، فذهبا إلى علي فقالا له ذلك فقال : هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا : كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا . قال : فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا لهم حربا . قال عمرو بن سعد باسناده حتى إذا كان رجب وخشي معاوية أن تبايع القراء كلهم عليا كتب في سهم من عبد الله الناصح : يا معشر أهل العراق ! إن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات ليغرقكم فخذوا حذركم ، ورمى به في جيش أهل العراق . فأخذه الناس فقرأوه وتحدثوا به ، وذكروه لعلي فقال : إن هذا ما لا يكون ولا يقع . وشاع ذلك ، وبعث معاوية مائتي فاعل يحفرون في جنب الفرات وبلغ الناس ذلك فتشوش أهل العراق من ذلك وفزعوا إلى علي فقال : ويحكم ! إنه يريد خديعتكم ليزيلكم عن مكانكم هذا وينزل فيه لأنه خير من مكانه . فقالوا : لابد من أن نخلي عن هذا الموضع فارتحلوا منه ، وجاء معاوية فنزل بجيشه - وكان علي آخر من ارتحل - فنزل بهم وهو يقول :

--> ( 1 ) كذا بالأصل والاخبار الطوال ، وفي ابن الأعثم : أبو الدرداء وأبو هريرة ، وما ذكر أبو الدرداء إلا من الواقدي ، وليس لهذه الحادثة أثر في الطبري أو في الكامل لابن الأثير ، وقد لاحظنا قريبا أن أبا الدرداء مات في خلافة عثمان ( انظر الإصابة 5 / 46 وتهذيب التهذيب 8 / 176 ) .